ابن قيم الجوزية

256

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة ، وفي قوله : أقفالها ، بالتعريف ، نوع تأكيد ، فإنه لو قال : أقفال ، لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم ، فلما أضافها إلى القلوب ، علم أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة القفل للباب ، فكأنه أراد أقفالها المختصة بها التي لا تكون لغيرها . واللّه أعلم . فصل وأما الصمم والوقر ففي قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ( 18 ) [ البقرة ] وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ( 23 ) [ محمد ] وقوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) [ الأعراف ] وقوله : وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) [ فصلت ] . قال ابن عباس : في آذانهم صمم عن استماع القرآن ، وهو عليهم عمى ، أعمى اللّه قلوبهم ، فلا يفقهون ، أولئك ينادون من مكان بعيد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء . وقال مجاهد : بعيد من قلوبهم . وقال الفراء : تقول للرجل الذي لا يفهم ، كذلك أنت تنادى من مكان بعيد ، قال : وجاء في التفسير : كأنما ينادون من السماء ، فلا يسمعون . انتهى ، والمعنى أنهم لا يسمعون ، ولا يفهمون ، كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم .